وقائع متلاحقة تطرح سؤال العلاقة بين الطبيب والمريض
- د. عمرو منتصر استشاري الصحة النفسية: الأزمة تبدأ من الأطباء.. وتحول المهنة لـ "تجارة" دمر قدسيتها وغياب الرقابة وراء تدني المعاملة بالمستشفيات
- د. وليد الديب أمين صندوق أطباء الأسنان: الطبيب "شايل هموم فوق طاقته" وبيئة العمل غير مهيأة.. واستمرار الهجرة سيجبرنا على استيراد أطباء من الخارج
- د. أشرف حاتم وزير الصحة الأسبق : موازنة الصحة قفزت لـ 460 مليارا والأزمة "سوء إدارة" لا "قلة إنفاق".. وتوتر الأطباء والمرضى مجرد "شائعات"
لم تكن وقائع مستشفى الشاطبي بالإسكندرية.. ولا أزمة طبيبة الأسنان في القليوبية سوى حلقتين جديدتين في سلسلة من الأزمات التي أعادت طرح سؤال قديم يتجدد مع كل واقعة.. كيف تحولت علاقة قامت لعقود على الثقة إلى علاقة يشوبها التوجس والاتهام؟
خلال السنوات الأخيرة لم تعد المشادات داخل المستشفيات أو الاتهامات المتبادلة بين المرضى والأطباء أحداثا استثنائية.. بل تحولت إلى مشهد يتكرر في ظل تحديات متراكمة تواجه المنظومة الصحية وضغوط اقتصادية متزايدة وارتفاع سقف توقعات المواطنين من الخدمة الطبية.. في مقابل شكاوى متكررة من الأطباء بشأن بيئة العمل ونقص الكوادر وتدني الرواتب والاعتداءات التي يتعرض لها بعضهم أثناء أداء عملهم..
وبين رواية ترى أن المريض بات يخشى الذهاب إلى المستشفى خشية الإهمال أو سوء المعاملة، وأخرى تؤكد أن الطبيب أصبح يعمل تحت ضغوط تفوق طاقته ويحاكم مجتمعيا قبل انتهاء أي تحقيق تبرز تساؤلات أكثر عمقا.. هل يعيش القطاع الصحي أزمة ثقة حقيقية؟ وهل ما نشهده هو نتيجة أخطاء فردية أم انعكاس لاختلالات أوسع داخل المنظومة الصحية؟
في هذا التحقيق نفتح الملف من جميع زواياه مستندة إلى آراء مسؤولين وخبراء ومتخصصين، بحثا عن إجابة لسؤال لم يعد يخص الأطباء أو المرضى وحدهم.. بل يمس أحد أهم القطاعات المرتبطة بحياة المواطنين.

دكتور اشرف حاتم
مكامن الخلل
في مواجهة موضوعية تفكك جدار الأزمة بالأرقام والتشريعات.. يضع الدكتور أشرف حاتم، وزير الصحة الأسبق وعضو مجلس النواب.. يده على مكامن الخلل الحقيقية في المنظومة الطبية.. رافضا بشكل قاطع توصيف التوترات الراهنة بين الأطباء والمرضى بأنها "ظاهرة عامة" بل هي أزمة مصطنعة جرى تضخيمها عبر الفضاء الرقمي.. مبرهنا على ذلك بلغة الإحصائيات الرسمية المعلنة مؤخرا والتي تكشف عن تردد مئات الآلاف من المرضى يوميا على المنشآت الصحية بمختلف قطاعاتها الحكومية والجامعية والأهلية والخاصة حيث تستقبل المستشفيات الجامعية وحدها نحو 32 مليون مريض سنويا.. في حين يزور مستشفيات القصر العيني نحو 2.5 مليون مريض في السنة بمعدل 1500 حالة يوميا، فضلا عن 1200 حالة تستقبلها مستشفيات عين شمس يوميا.. معقبا بأن رصد 100 حالة توتر يومي وسط هذه الملايين هو معدل ضئيل للغاية لا يرتقي لكونه ظاهرة مجتمعية.. وإنما يرجع في أصله إلى قلق أهل المريض الطبيعي ورغبتهم في خدمة متميزة، يقابله ضغط عمل شديد وشاق يتعرض له الفريق الطبي في أقسام الطوارئ الحكومية بالعمل المتواصل لـ 12 ساعة يفحص خلالها الطبيب عشرات الحالات ويكون واقعا تحت استنزاف ذهني وبدني كبير...
ويحسم وزير الصحة الأسبق الجدل المثار حول ما يسمى "أزمة مستشفى الشاطبي الجامعي بالأسكندرية"، واصفا إياها بأنها "كلام فاضي" وأزمة افتراضية ولدت على السوشيال ميديا واليوتيوب ولم تثبت صحتها واقعيا على الإطلاق.. بدليل أن تحقيقات النيابة العامة، والنقابة وإدارة المستشفى والمجلس الأعلى للمستشفيات الجامعية والمسؤولية الطبية أثبتت جميعها عدم صحة الوقائع، بل إن الطبيبة المحترمة نفسها أنكرت في التحقيقات كتابة تلك الردود المنسوبة إليها، مستنكرا أن يمحى بآراء شخصية غير مثبتة على الإنترنت تاريخ صرح طبي عريق مثل مستشفى الشاطبي قدم خدمات علاجية وتعليمية لمئات الآلاف من المرضى وآلاف الأطباء على مدار نصف قرن.. ومؤكدا أن من يمر على المستشفيات الكبيرة في المدن والمحافظات سواء القصر العيني، أو الدمرداش أو مستشفيات أسيوط والمنيا الجامعية.. أو مستشفى دمنهور التعليمي.. سيجد خلية نحل وورشة عمل وأطباء يعملون "زي الورد" لخدمة آلاف البسطاء يوميا.. وأن حدوث حالة أو حالتين خلاف كل أسبوعين بين طبيب ومريض هو أمر وارد نتيجة خطأ من أي من الطرفين ويحل في إطاره دون تهويل إعلامي...
وعن المعاملة والمشادات يرى عضو مجلس النواب أن الحل يبدأ من نشر التوعية وبث الثقافة المجتمعية والتعليم المتبادل للحقوق والواجبات بين الأطقم الطبية وذوي المرضى منتقدا الظاهرة السلوكية المتمثلة في اصطحاب المريض لعشرات الأفراد من أهله وجيرانه ومعارفه ليتحول الدخول للمستشفى إلى ما يشبه "الرحلة العشوائية".. مما يتسبب في إحداث احتقان ومشادات وتطاول فور مطالبة الفريق الطبي للناس بالخروج لتسهيل العمل.. في حين أن المتبع في دول العالم كافة هو مرافقة شخص واحد للمريض لشرح التاريخ المرضي إذا كان عاجزا عن الكلام.. مشيرا إلى أن ضبط هذه العلاقة بات محكوما تشريعياً بقانون "المسؤولية الطبية وسلامة المرضى" الجديد الذي يطبق بصرامة ولا تهاون فيه.. ويقر عقوبات رادعة تبدأ من الغرامة وتصل إلى الحبس الوجوبي ضد أي مواطن يعتدي ولو باللفظ على أي عضو في الفريق الصحي سواء كان طبيبا أو ممرضا أو عاملا أثناء تأدية وظيفته بالقطاعين الحكومي والخاص.. وبالمثل يمنح القانون المريض حقه الكامل في الشكوى ومحاسبة المخطئ وفق مدونة سلوك وإجراءات ملزمة للمنشأة الطبية...

خناقة أمام مستشفى بالاسماعيلية
حول الإنفاق
حول مطالبات زيادة الإنفاق المالي على القطاع الصحي لتقليل الضغط، يفجر الدكتور أشرف حاتم مفاجأة رقمية تعكس حجم القفزة التمويلية التي ضختها الدولة مسترجعا فترة توليه وزارة الصحة عام 2011 حين كانت موازنة الصحة لا تتجاوز 30 مليار جنيه.. بينما وافق مجلس النواب هذا العام على موازنة للقطاع الصحي تتخطى 460 مليار جنيه.. أي بزيادة ارتفعت لعشرات الأضعاف خلال الـ 15 سنة الماضية.. مؤكدا أن الأزمة الراهنة لم تعد أزمة إنفاق مالي بل هي "أزمة تنظيم وحسن إدارة موارد".. وتدريب الفريق الصحي على مهارات حسن الاستقبال والمعاملة.. إلى جانب وضع حد لفوضى توجه المرضى مباشرة للمستشفيات الكبرى دون تدرج.. وهو ما يعمل على حله جذريا نظام "التأمين الصحي الشامل" المطبق حاليا بنجاح في عدة محافظات والممتد لباقي الجمهورية.. حيث يلتزم المريض بالتوجه أولا لطبيب الأسرة الخاص به.. والذي يتولى تحويله بتقرير طبي إلى المستشفى الثانوي ومنها للمستشفى التخصصي العالي أو الجامعي عند الحاجة.. مما يقضي تماما على التكدس والشكاوى...
وفي ملف هجرة الأطباء يطرح وزير الصحة الأسبق رؤية مغايرة تترجم الظاهرة كشهادة ثقة دولية في جودة الخريج والطبيب المصري بدليل تهافت ودول كبرى في أوروبا وأمريكا وأستراليا على استقطابهم سنويا، لسد النقص العالمي في المسارات الطبية الطويلة.. مفضلة إياهم على أطباء دول أخرى كالهند والصين وماليزيا.. وموضحا أن أعداد الخريجين في مصر قفزت من 8 آلاف طبيب سنويا قبل عام 2011 إلى 12 ثم 14 ألفاً حتى تجاوزت الـ 20 ألف طبيب سنويا حاليا.. مما يعوض الفاقد العددي ويحافظ على جودة الكفاءات... ويكشف حاتم أن جذور المشكلة الحقيقية ليست في "السفر للخارج" بل في "هروب وعزوف" الفريق الصحي بأكمله من أطباء وتمريض وصيادلة وعلاج طبيعي وفنيين عن العمل الحكومي عقب انتهاء فترة التكليف نظرا لأن رواتب الحكومة لا تتناسب مع حجم المجهود البدني والنفسي الشاق الذي يبذلونه مما يدفعهم للانتقال والعمل في القطاعين الخاص والأهلي داخل مصر لتأمين متطلبات المعيشة.. واضعا روشتة الحل في ضرورة رفع الإنفاق الموجه لبند مرتبات وحوافز الفريق الطبي بالكامل لتشجيعهم على الاستمرار في تقديم الخدمة بالمستشفيات الحكومية.

د. وليد فؤاد الديب
امنعوا الصحافة !
لكن هذه الطمأنينة الرقمية والتشريعية التي يطرحها البرلمان.. تصطدم بواقع فئوي مغاير تراه النقابات المهنية في الشارع.. إذا يفتح الدكتور وليد فؤاد الديب.. أمين صندوق النقابة العامة لأطباء الأسنان ملف الاحتقان المتزايد بين الأطباء والمواطنين، مفسرا الأزمة بأنها تبدأ من التناول التحريري غير المنضبط للوقائع الطبية إذ يرى ضرورة تطبيق نظام أو قانون أو لائحة تمنع الصحافة ووسائل الإعلام من نشر أي أخبار تتعلق بالأطباء إلا بعد انتهاء التحقيقات الرسمية تماما.. معقبا بأن التسرع في النشر قبل تبين طبيعة الخطأ وما إذا كان إهمالا أم مضاعفة واردة علميا.. يصدر عناوين مثيرة من عينة "طبيب مسؤول عن موت طفل" أو "طبيب أهمل".. مصحوبة بتصريحات عاطفية غير دقيقة من ذوي المرضى يدعون فيها ترك المريض ينزف لساعات.. بينما الحقيقة تكون مغايرة تماما.. وهو سبق صحفي غير منضبط يذكي الفتنة ويخلق نوعا من الثأر غير المبرر بين الأطباء والمواطنين...
ويؤكد الديب أنه لا يطلب انحياز الصحافة لطرف بل يطالب بالحياد والمسؤولية.. وبأن يمتد التنظيم ليشمل منصات السوشيال ميديا أيضا لمنع نشر الوقائع وتوجيه الاتهامات دون تصريح أو ضوابط.. موضحا أن الأزمة في مصر ليست في انعدام القوانين التي تجرم التصوير والنشر العشوائي للوقائع بل في كونها غير مطبقة بحذافيرها.. وأن التطبيق الصارم للتشريعات القائمة هو أول خطوة عملية لتقليل هذا الاحتقان...
ويشخص أمين صندوق نقابة الأسنان جذور الأزمة مؤكدا أنها أزمة عميقة تعكس عدم رضا المرضى عن الخدمة.. مرجعا السبب الرئيسي إلى "نقص الإمكانيات" في الوحدات الصحية والمستشفيات الحكومية التي تقل بكثير عن القطاع الخاص.. وفي ظل غياب منظومة إدارية تستقبل المريض وتشرح له طبيعة النقص في المستلزمات أو الأدوية.. يصبح الطبيب هو "الواجهة الأمامية" الوحيدة (الفرونت أوفيس) أمام المواطن القادم من الشارع.. ليمتص وحده جام غضب المريض لعدم توافر الخدمة رغم أنه لا ذنب له في هذا العجز، ويفترض أن يوجه كل تركيزه الذهني لعلاج الحالة الطبية التي أمامه فقط.. واصفا الطبيب المصري بأنه "شايل هموم فوق طاقته" ويتحمل عجز المنظومة الطبية بأكملها بجانب أعبائه المهنية..
وينتقد الديب غياب الأمن الفعال داخل المستشفيات الحكومية معتبرا أنه من غير المقبول افتقار المنشآت الطبية لقوة أمنية قادرة على السيطرة وفرض النظام.. إذ كثيرا ما تفاجأ الأطقم الطبية بدخول حالات حرجة ميتة ناتجة عن مشاجرات بالأسلحة البيضاء.. يصحبها تجمهر لعشرين أو ثلاثين شخصا.. يهددون الطبيب صراحة بالقتل إن مات المريض.. متسائلا: كيف يمكن لطبيب أن يعمل في مثل هذه البيئة الترهيبية؟ يضاف إلى ذلك ظاهرة العشوائية الناتجة عن مرافقة خمسة أو ستة أفراد للمريض الواحد.. لتتحول المستشفى إلى ما يشبه "الرحلة".. وبمجرد أن يرتفع صوت المريض يتبعه صراخ وجلبة من كافة مرافقيه.. مما يحول المكان إلى ساحة من الفوضى التامة التي تستدعي تنظيما إداريا عاجلا يمنع دخول غير المريض سوى مرافق واحد في حالات الضرورة كالأطفال وكبار السن.. ومستشهدا بالنظام المطبق في محطات السكك الحديدية التي تمنع دخول أي فرد بدون تذكرة، لفرض النظام....
وعن اتهامات "التعالي" الإنساني الموجهة للأطباء في المستشفيات الحكومية، يرى الديب أن كل مهنة تضم شواذ وقواعد.. ولا يمكن القول بأن الأطباء جميعا بلا أخطاء لكن التعالي ليس ظاهرة عامة، بل هو نادر الحدوث وجذر المشكلة يكمن مجدداً في نقص الإمكانيات الذي يجعل المريض يتربص بالطبيب ويتلمس أسباب الشجار.. فعلى سبيل المثال حين يطلب مريض حشوا أو بنجا ويكون المخزن خاليا.. يشرح له الطبيب ذلك.. فيبدأ المريض بالإلحاح والضغط ومخرجات هذا الضغط قد تجبر الطبيب في النهاية على مطالبته بالانتظار بالخارج لكي يتمكن من مباشرة عمله ورؤية باقي المرضى وهو تصرف لا يعد تعاليا بل نفاد صبر بعد محاولات عديدة للاستيعاب...

كاميرا مراقبة إحدى المستشفيات في حلوان
وبالنظر لواقعة طبيبة الأسنان المثارة مؤخرا.. والتي تعرضت للضرب المبرح وكسر يدها فإن الديب يرى أن تحجج البعض بأن ردودها اللاحقة على السوشيال ميديا اتسمت بالتعالي يعكس قراءة مجتزأة للأحداث.. فالطبيبة لو كانت رافضة للعمل لما قامت بخلع ضرس المريضة من الأساس ولأرسلتها بعلاج مؤقت لكنها أدت دورها ثم تعرضت لإهانة بالغة واعتداء جسدي.. فكيف نطالبها بعد كل هذا التنكيل بأن تحافظ على هدوئها وتكون "كيوت"؟ مؤكدا أن ما صدر منها هو رد فعل إنساني طبيعي تحت وطأة صدمة عنيفة.. وأن المريضة إن كان لديها شكوى حقيقية كان الأجدر بها التوجه لإدارة المستشفى بدلا من فتح الكاميرات والتصوير الاستفزازي وتصدير الأزمة مجتمعيا..
ويرفض أمين صندوق أطباء الأسنان إطلاق وصف "الفساد" على المنظومة الصحية في مصر.. لأن مصطلح الفساد يقتضي بالضرورة أن تكون نسبة الفاسدين تتجاوز الـ 50% على الأقل وهذا غير موجود بالقطاع الصحي الذي يضم نسبة طبيعية من المتجاوزين كأي قطاع خدمي، بينما الأزمة الكبرى تكمن في "نقص الإمكانيات" الذي يعطل كل شيء.. ولو أتيحت الإمكانيات والتمويل المالي المناسب لأي وحدة صحية متهالكة لصلح أمرها واستقامت فورا.. ويشدد الديب على أنه لا توجد دولة في العالم تتحمل أعباء علاجية مجانية وضخمة كما تفعل الدولة المصرية بمبالغ رمزية لا تتعدى خمسة جنيهات.. وهو نظام غير موجود حتى في الدول الأوروبية التي تعتمد على أنظمة الدفع والاشتراك.. مؤكدا أن المخرج الوحيد القادر على ضبط بوصلة المنظومة هو التطبيق الشامل والتسريع من وتيرة منظومة "التأمين الصحي الشامل"..

روشتة خروج
ولاستعادة الثقة المتبادلة.. يطرح الديب روشتة تتطلب جلوس أطراف المنظومة كافة بدءاً من وزارة الصحة وأعضاء مجلس النواب المؤثرين في دوائرهم.. وصولا إلى النقابات المهنية للأطباء معا في مؤتمرات موسعة لمناقشة المشكلات ووضع حلول فورية غير مكلفة إداريا.. وعلى رأسها تنظيم آلية دخول المستشفيات الحكومية لإنهاء فوضى التجمهر والخناقات الجانبية التي يفتعلها مرافقو المرضى...
وحول ملف هجرة الأطباء.. يرى أمين صندوق نقابة الأسنان أن تكرار الاعتداءات يمثل نقطة ضغط إضافية تزيد من حالة الضجر.. لكنه ليس المحرك الأساسي فالسبب الحقيقي اقتصادي بحت في ظل تدني الرواتب المحلية مقارنة بالخارج الذي يقدم عشرة أضعاف، ومع ذلك لو توفرت للطبيب بيئة عمل صحية وسكن لائق وتقدير معنوي.. لفضل الكثيرون البقاء وتفضيل مصلحة وطنهم، منتقدا تحميل الأطباء والصيادلة بمهام إدارية وخدمية بعيدة عن تخصصهم كحلول بديلة لعجز العمالة (مثل القيام بأعمال أمناء المخازن أو قاطعي التذاكر)...
ويحذر الديب من خطورة فقدان الطبيب المصري الذي يمتلك مهارة وكفاءة لا نظير لها عالميا.. وقدرة على التشخيص بكفاءة عالية مستعينا بـ "سماعة وجهاز ضغط" فقط في ظل غياب الإمكانيات.. مؤكدا أنه إذا استمرت معدلات الهجرة الحالية ستصل الدولة إلى مرحلة تضطر فيها لاستيراد أطباء من الخارج بكلفة دولارية باهظة تستنزف الموارد، في حين أن الطبيب المصري غير طماع ويرضى بالقليل..
ويختتم أمين صندوق النقابة العامة لأطباء الأسنان رؤيته بنقل رسالتين.. الأولى للمواطن المصري بضرورة الحفاظ على الطبيب باعتباره خط الدفاع الصحي الأول، وأن المعاملة بأدب واحترام المتبادل هي الأساس مع ضرورة عذره في نقص الإمكانيات لأنها حدود إمكانيات الدولة وضغوطها الاقتصادية.... والرسالة الثانية يوجهها لزملائه الأطباء بمطالبتهم باحتساب جزء كبير من هذا العمل الشاق "لوجه الله وتجارة معه" لأن المقابل المادي الحالي لا يعادل تضحياتهم مقارنة بمهن حرة أخرى، داعيا إياهم لاستيعاب المرضى وتحمل قلة خبرتهم أو أسئلتهم المستفزة أحيانا.. والتعالي على الشدائد في سبيل العبور بالخدمة الصحية إلى بر الأمان..
المريض ليس شريرا بل "خائف وعاجز"
على الجانب الآخر من جدار الأزمة.. يقف المريض الطرف الأكثر هشاشة في هذه المنظومة.. (م. ع) مواطن وأب لثلاثة أطفال.. والذي لخص المشهد من وجهة نظره قائلا : نحن لسنا بلطجية.. ولا ندخل المستشفيات رغبة في الشجار.. لكن عندما تدخل بأب ينزف أو طفل يصرخ من الألم.. وتفاجأ بغياب المستلزمات أو يطلب منك الطبيب ببرود أن تشتري (سرنجة وكانيولا) من الصيدلية الخارجية.. وأنت لا تملك قوت يومك.. هنا ينفجر الصبر..
ويضيف مواطن آخر: نحن نعذر الأطباء وضغط عملهم.. لكننا لا نقبل التعالي أو المعاملة الجافة.. المريض يأتي للمستشفى الحكومي لأنه مكسور الجناح ولا يملك بديلا... وأقل ما ينتظره هو كلمة طيبة أو طمأنة.. وغياب هذا التواصل هو ما يشعل الفتنة ويجعلنا نشعر بأن حياتنا بلا قيمة في نظر المنظومة.

د. عمرو منتصر
التشريح النفسي للاحتقان
بين صرخة النقابة للدفاع عن كرامة الأطباء المهدرة والتقنين التشريعي الرسمي للمسؤولية الطبية.. ينبري التحليل النفسي ليفكك العلة العميقة في جدار الثقة ومن هذه الزاوية السيكولوجية والسلوكية .. يضع الدكتور عمرو منتصر.. استشاري الصحة النفسية والعلاقات الإنسانية.. تشريحا نفسيا لظاهرة الاحتقان المتبادل، معتبرا أن الأزمة الحالية لا تتعلق بخصوصية مهنة الطب بقدر ما هي انعكاس لـ "مود عام" وحالة من انعدام الثقة العامة أصابت معظم أطياف المجتمع.. بسبب تزايد معدلات القلق والخوف في طبيعة الزمن الراهن، وهي أزمة تطفو بشكل فج وصارخ في مساحات الاحتكاك اليومي المباشر.. لا سيما بين التاجر والمستهلك.. والطبيب والمريض.. ويرى منتصر أن ميل النفس البشرية الفطري نحو "الأنا" وتضخم الذات هو المحرك الأساسي للاحتقان الفئوي موضحا أن غياب مهارات التواصل الودود لدى قطاع من الأطباء وجهلهم بآليات التعامل النفسي الإيجابي مع البشر.. يترجمه المرضى عفويا بأنه "عجرفة وتعالي شديد" رغم أنه في كثير من الأحيان يكون ناتجا عن قلة حيلة الطبيب وعدم امتلاكه لأدوات التواصل وليس عن قصد أو تعمد.. وإن كان ذلك لا ينفي وجود فئة ترى نفسها فوق الجميع بدافع الشعور بالأهمية المهنية وحاجة الناس الماسة إليها.. وهو سلوك نفسي يتشابه مع ما يحدث لدى المشاهير والفنانين وكل من يمارس مهنة حساسة تضع مصائر الناس بين يديه.. مستثنيا من ذلك أصحاب الأخلاق الطيبة الكابحة لغرور النفس.
ويفسر استشاري الصحة النفسية تحول منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات إدانة وتشهير فورية بالطبيب والمريض، مرجعا ذلك إلى آلية التحليل النفسي التي تجعل السوشيال ميديا فضاء مرحبا بأي رأي يصدر عن شخص مجهول من وراء الشاشات.. دون سؤاله عن مدى علمه وفهمه أو مرجعيته إذ أصبحت تلك المنصات ملاذا لأصحاب الهشاشة النفسية ومن يفتقدون الثقة بالذات في الواقع.. ليجدوا فيها مساحة للاعتراض وبث الأفكار المغلوطة والغريبة دون خوف من المحاسبة مستطردا بأن السوشيال ميديا تمنح صكوك ثقة زائفة لأي فرد ليكتب "بوست" يتهم فيه شخصا أو يشوه منظومة فيجد مجتمعا افتراضيا ينساق خلفه ويصدقه دون أدنى تثبت.. مما يساهم في تعميق فجوة عدم الثقة وتوسيع الهوة بين الطبيب والمريض...
ويفجر منتصر مفاجأة بتوجيه أصابع الاتهام المباشر لـ "تجرير الطب".. معتبرا أن السبب الرئيسي والعميق وراء انهيار جدار الثقة التاريخي بين الطرفين يكمن في تحول العلاقة بينهما إلى معاملة مادية تجارية بحتة.. فبمجرد أن خرجت المهنة من إطار العناية الإنسانية المطلقة وبذل الجهد للشفاء.. وتحولت إلى تساؤل نفعي حول "المقابل المادي وكيفية تحصيله".. ظهر الجشع والمعاملة الجافة من بعض الأطباء.. معقبا بأسى: زمان كان الطبيب مقدسا كالعالِم والشيخ ويمثل منارة الثقافة في المجتمع، وطالما كان الطبيب لا يتقاضى أمواله مباشرة من المريض كانت منظومة العلاج بخير.. وبمجرد أن أصبحت المنظومة تجارية انحدرت العلاقة الإنسانية.
وفي رده على مفارقة تدهور المعاملة الإنسانية داخل المستشفيات الحكومية "المجانية" مقارنة بالقطاع الخاص.. يؤكد منتصر أن العلة تكمن في "غياب الرقابة الصارمة".. مشددا على أنه إذا غابت الرقابة الإدارية فالنتيجة الحتمية هي الفوضى وسوء المعاملة، مطالبا الدولة بضرورة التدخل لتحسيس الطبيب منذ لحظة تخرجه بمدى غلاوة وأهمية الحالة الإنسانية التي يعالجها لتأصيل المسؤولية الأخلاقية لديه.. ويحسم منتصر موقفه بتأكيد أن المشكلة الأساسية والأزمة الكبرى تقع على عاتق الأطباء أنفسهم وليس المرضى، باستثناء بعض الحالات الفردية التي يكون فيها أسلوب المريض غير طيب فتقع الأزمة عليه...
واختصارا لروشتة الحل النفسي والإنساني.. يضع استشاري العلاقات الإنسانية قاعدة ذهبية لاستعادة الثقة المفقودة تتمثل في ضرورة "إبعاد المال تماما عن المعاملة المباشرة بين الطبيب والمريض".. بالتوازي مع حتمية إدراج مهارات التواصل النفسي والتفاعل الإنساني كمواد أساسية تدرس إجباريا في كليات الطب.. مستشهدا بالتاريخ الذي شهد علماء أقوياء ماتوا دون أن يتركوا أثرا لجهلهم بآليات نقل العلم والتواصل.. بينما خلدت أسماء علماء أقل قوة لامتلاكهم ثقافة التعامل وتبسيط المعلومات للبشر.. ومؤكدا أن المريض بطبعه يميل ويثق في الطبيب الذي يستوعبه ويفهمه ببساطة مهما كان حجم علمه.. وينفر من العالِم الفظ الذي يفتقر لروح الإنسانية والتواصل..
خاتمة
قد لا تكون الأزمة في طبيب فقد أعصابه او مريض فقد صبره.. ولا في واقعة شغلت الرأي العام لأيام ثم انطفأت… فهذه الوقائع رغم قسوتها ليست سوى أعراض لمرض أعمق أصاب واحدة من أكثر العلاقات إنسانية.. علاقة تقوم على أن يضع إنسان حياته بين يدي إنسان آخر مطمئنا إلى أنه سيبذل كل ما يستطيع لإنقاذها…
وربما يبقى السؤال الأهم.. هل ما زال الطبيب في وجدان المجتمع ذلك الإنسان الذي ينظر إليه بوصفه صاحب رسالة قبل أن يكون صاحب مهنة؟ أم أن ضغوط الواقع وسلطة المال وتراجع الثقة.. أعادت تشكيل هذه الصورة حتى أصبح الرداء الأبيض لا يكفي وحده ليمنح صاحبه المكانة التي منحها له الناس يوما؟
---------------------------------
تحقيق: مادونا شوقي
من المشهد الأسبوعية
الطبيب والمريض.. ضحيتان في معركة بلا منتصر!






